السيد محمد باقر الصدر
358
بحوث في علم الأصول
وإمّا أن يكون منشؤه عبارة عن المصلحة في الترك ، فقول المولى ، « لا تكذب » ينشأ إمّا عن مفسدة في الكذب ، أو عن مصلحة في تركه ، وفي كلتا الحالتين ، الغالب في المفاسد المتعلقة بالفعل ، والمصالح المتعلقة بالترك ، هو الانحلال والتعدد ، بحيث يكون كل فعل ، أو كل ترك ، بحسب عالم الملاك ، موضوعا للمفسدة ، أو موضوعا للمصلحة . وهذه الغلبة غير موجودة في جانب الأوامر ، فإنّ الأمر بشيء ، ينشأ إما من مصلحة في الفعل ، أو من مفسدة في الترك ، وليس الغالب في المصلحة المتعلقة بالفعل ، أو المفسدة المتعلقة بالترك ، هو التعدد . وحيث أنّ هذه الغلبة موجودة في طرف النهي ، دونها في الأمر ، فتصبح هذه الغلبة قرينة عرفية ارتكازية في طرف النهي ، على أنّ النهي متعدّد بلحاظ متعلقه أيضا ، باعتبار أنّ هذه الغلبة ظاهرة في أن النهي نشأ من ملاك انحلالي وتعددي ، وهذا بعكس الأمر ، فإن هذه الغلبة غير موجودة في جانبه ، فيبقى على مقتضى القاعدة ، ومقتضاها هو عدم التعدد في جانب المتعلق في الأوامر . الأمر الرابع : كل ما أسّسناه في باب الأوامر والنواهي من التعدد في طرف الموضوع ، وعدمه في طرف المتعلق ، أيضا ، يسري في باب الإخبار ، ولا يختص بباب الإنشاء ، فكما أن للإنشاء متعلّقا وموضوعا في « أكرم العالم » ، كذلك للجملة الخبرية « العالم نافع » ، متعلّق ، وهو النفع ، وموضوع ، وهو « العالم » ، وبالتحليل تكون نسبة « العالم » إلى الإخبار ، هي كنسبة « العالم » إلى الإنشاء ، فكما أن « العالم » في الإنشاء في « أكرم العالم » أخذ مفروغا عن وجوده ، كذلك « العالم » في الإخبار في « العالم نافع » أخذ مفروغا عن وجوده في المرتبة السابقة على الإخبار ، بمعنى أنّ الذي يقول « العالم نافع » لا يريد الإخبار عن وجود « العالم » بل إذا وجد « العالم » وفرغ من وجوده فهو نافع ، فيكون مراده